عبد الرحمن بن عبد السلام الصفوري الشافعي
14
نزهة المجالس ومنتخب النفائس
[ الأعراف : 127 ] ومعلوم أنه لم يكن مراده بالفوقية هنا فوقية المكان وذكر في الكشاف معنى آخر وهو : أأمنتم من ملكوته في السماء فحذف المضاف وهو ملكوت وأقام المضاف إليه وهو الضمير مقامه وهو كثير في القرآن قال تعالى : وَجاءَ رَبُّكَ [ الفجر : 22 ] أي أمر ربك وَسْئَلِ الْقَرْيَةَ [ يوسف : 82 ] أي أهل القرية ، وهي مصر قاله الأكثرون . وأما قوله تعالى : وَسْئَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ [ الأعراف : 163 ] قال الأكثرون : هي أيلة وقيل : طبرية لأنها حاضرة البحر أي على شاطئه . ( فائدة ) : قال اللّه تعالى : أَ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ [ الملك : 16 ] ثم قال : أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً [ الملك : 17 ] أي حجارة وقال تعالى في سورة الأنعام : قُلْ هُوَ الْقادِرُ عَلى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذاباً مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ [ الأنعام : 65 ] فقدم في تبارك الذي أخره في الأنعام . وجوابه : لما قدم في تبارك : هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا [ الملك : 15 ] ناسب أن يثني بالوعيد بالخسف للأرض . ولما قدم في الأنعام : وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ [ الأنعام : 18 ] ناسب تقديم ما هو من جهة الفوق للمشاكلة . ( والجواب ) : عن قوله تعالى : وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [ الأنعام : 3 ] من وجوه : ( الأول ) : أن كل ما في السماوات والأرض ملك له تعالى . قال تعالى : قُلْ لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ [ الأنعام : 12 ] وكلمة ما تدل على من يعقل وغيره كقوله تعالى : وَالسَّماءِ وَما بَناها ( 5 ) وَالْأَرْضِ وَما طَحاها ( 6 ) [ الشمس : 5 ، 6 ] أي بسطها فلو كان اللّه تعالى في السماوات لكان مالكا لنفسه وهذا محال . ( الثاني ) : أن قوله فِي السَّماواتِ [ الأنعام : 12 ] إما أن يكون في سماء واحدة فلا يجوز أن يقال ذلك لأنه خلاف ظاهر الآية ، وإما أن يكون في الجميع فإن كان كذلك كان الحاصل منه في إحدى السماوات غير الحاصل في البواقي . وهذا يلزم منه التركيب والتأليف . وهذا محال وإن كان هو هو فيلزم منه حصول التحيز في مكانين وهذا محال . ( الثالث ) : لو فرضنا أنه تعالى في السماوات فهل يقدر على خلق عالم فوقها أم لا ؟ فإن فعل ذلك كان تحت العالم ، وهذا لا يقوله أحد ، وإن كان لا يقدر اقتضي التعجيز وهو محال ، فثبت أنه لا يمكن إجراء الآية على ظاهرها فوجب تأويلها وهو من وجوه : ( الأول ) : أنه في تدبير السماوات كما يقال فلان في أمر كذا أي في تدبيره . ( الثاني ) : أن قوله وهو اللّه كلام تام ثم ابتدأ فقال : فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ يَعْلَمُ سِرَّكُمْ وَجَهْرَكُمْ [ الأنعام : 3 ] أي يعلم سر الملائكة وجهرهم وكذا يعلم حال من في الأرض . ( الثالث ) : الآية فيها تقديم وتأخير تقديره وهو اللّه يعلم في السماوات وفي الأرض سركم وجهركم ، والجواب عن الحديث الصحيح : « ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا » الخ قال القرطبي رحمه اللّه تعالى : هذا الحديث يفسره الحديث الصحيح الذي رواه النسائي عن أبي هريرة وأبي سعيد الخدري رضي اللّه عنهما قالا : قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « إن اللّه تعالى يمهل حتى يمضي شطر الليل الأول ثم يأمر مناديا يقول : هل من داع فيستجاب له هل من مستغفر فيغفر له هل من سائل فيعطى سؤله » وإنما أضاف المناداة